السيد محمد تقي المدرسي
468
من هدى القرآن
وقيل : « حِسَاباً » لما علموا ، فالحساب بمعنى العد أي بقدر ما وجب له في وعد الرب ، فإنه وعد للحسنة عشرا ، ووعد لقوم بسبع مئة ضعف ، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدار ، كما قال تعالى : « إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ » [ الزمر : 10 ] . وتعود الأقوال جميعا إلى حقيقة واحدة هي العطاء الجزيل ، والرأي الثالث يجمع بين الأولين . [ 37 ] ولكيلا يستكثر الإنسان هذه النعم بيَّن الله أنها من عند الرب العظيم ، الذي له ملك السماوات والأرض وهو الرحمن ؟ « رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ » وما ظنك بالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء إذا شاء أن يجزل العطاء ؟ وأسماء الله كلها مظاهر رحمته ، ورحمته واسعة ومستمرة . ونعبر عن الرحمة الشاملة التي وسعت كل شيء ب - « الرَّحْمَنِ » ، فهي صبغة التدبير والهيمنة وإطار سنن الكون العامة ، إذ الرحمة غاية الخلق . وكأنما الآية الشريفة كما تُعقِّب على ما سبق بالتعليل فهي أيضا تمهد لما يلي : « لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً » إنه عظيم إلى درجة تعاليه عن تخاطب خلقه ، لولا رحمانيته التي ينزل بها وحيه على عباده عبر رسول أو من وراء حجاب . ولولا أن الله سبحانه أذن لعباده بدعائه ، وألقى في قلوب مريديه أنوار محبته ومناجاته ، لما استطاع الإنسان - أي إنسان - أن يسموا إلى درجة مخاطبته . أليس الخطاب بحاجة إلى توافق طرفين ، أو فرض طرف على آخر ؟ والله ليس بمستوى خلقه حتى يتوافق معه ، ولن يُفْرَض عليه شيء . وهكذا تشير الآية إلى أن البشر وسائر الخلق ليسوا بمستواه ، وأنهم لا يملكون منه شيئا فلا يفرضون عليه شيئا ، وهو يملكهم وبرحمته يتفضل عليهم بمخاطبتهم ، وقد يأذن لبعضهم إذنا تكوينيًّا وتشريعيًّا بمخاطبته ، وذلك حين يعرفهم نفسه ويلهمهم مناجاته . وقد اختلفوا فيمن لا يملك الخطاب ، هل المؤمنون الذين ذُكِروا آنفا ، أم الكفار باعتبارهم المطرودون عن باب رحمته ، أم كلا الفريقين ؟ . يبدو أن الضمير ليس يعم المؤمنين والكفار فحسب بل ويشمل سائر الخلائق ( الجن والمَلَك والروح ) بشهادة الآية التالية التي جاءت تفصيلا لهذه الآية ، ومثلا ظاهرا . . بالرغم من أن هذه الآية - فيما يبدو لي - لا تخص يوم القيامة . بلى ، يوم القيامة تتجلى هذه الحقيقة بوضوح أكبر . [ 38 ] تتجلى عظمة ربنا لعباده يوم البعث الأكبر حين يقوم الروح بكل عظمته وجلاله بين يديه ، والملائكة صفًّا لا يتكلمون ، وقد خشعت أصوات الخلائق لعظمة الرب ؟ ثم يأذن الله برحمانيته لبعضهم بالكلام شريطة ألَّا يتكلم إلا صوابا . « يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ » وما الروح ؟ اختلفوا في ذلك ، فقال البعض : إنه خلق أكبر من سائر الخلق حتى من الملائكة المقربين جبرائيل وميكائيل ، جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام : مَلَكٌ أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَمِيْكَائِيل ] « 1 » . وعلى هذا فإن الروح هو روح القدس الذي
--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 402 .